ابن قيم الجوزية
60
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
وكذلك العبث الذي تنفيه حكمت * ه وحمد اللّه ذي الاتقان وكذاك ترك الخلق اهمالا سدى * لا يبعثون إلى معاد ثان كلا ولا أمر ولا نهى * عليهم من إله قادر ديان الشرح : يعني كما يجب تنزيهه عما ذكر من الموت والاعياء والنوم والسنة والجهل يجب تنزيهه عن العبث في خلقه وأمره المنافي لكمال حكمته وحمده ، فلم يخلق شيئا عبثا ولا باطلا ولا شرع لعباده الا ما فيه حكمة ومصلحة لأنه حكيم حميد ، فمن تمام حكمته وحمده أنه أحسن كل شيء خلقه وأحكم وأتقن صنعه ، فلا يرى فيه خلل ولا فطور . وكذلك أحكم شرائعه التي شرعها لعباده فجعلها في غاية العدل والمصلحة وضمنها كل ما فيه خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة . ومن تمام حكمته كذلك أنه لم يترك خلقه هملا بلا أمر ولا نهى ولا ثواب ولا عقاب بل حكمته وحمده دالان أعظم الدلالة على أنه خلق المكلفين لينفذ فيهم أحكامه الشرعية ويبتليهم بالأوامر والنواهي . ثم بعد ذلك يبعثهم إلى الدار الآخرة التي تجري عليهم فيها أحكامه الجزائية من الثواب والعقاب . والآيات الدالة على تمام حكمته سبحانه في خلق المكلفين للابتلاء بأنواع التكاليف ليبلوهم أيهم أحسن عملا كثيرة منها قوله في آخر سورة ( المؤمنون ) : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [ 115 ، 116 ] وقوله : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ ص : 27 ، 28 ] . وقوله : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [ الجاثية : 21 ] .